سهيلة عبد الباعث الترجمان
84
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
يقولوا كما قال غيرهم من الجهابذة « * » المحققين والعلماء والعالمين والأئمة الوارثين أن ما أوهمته تلك الظواهر ليس هو المراد ، وإنما المراد أمور اصطلح عليها متأخرو أهل الطريق ، غيره عليها حتى لا يدّعيها الكذابون ، فاصطلحوا على الكناية عنها بتلك الألفاظ الموهمة خلاف المراد ، غير مبالين بذلك ، لأنه لا يمكن التعبير عنها بغيرها « 1 » . هذا الموقف من علماء الرسوم والقاصرين عن فهم ما يراد من أقواله وما لا قاه من العنت الشديد من حوله من غير الصوفية في كل مكان حلّ فيه ، جعله يدعو إلى حسن الظن بمؤلفاته ويدفع عنها سوء الفهم والجهل بها ، بل يدعوا إلى تذوقها قبل الحكم عليها وعدم التجنّي عليها ، فقال : " أقل درجات أهل الأدب مع القوم التسليم لهم فيما يقولون ، وأعلاها القطع بصدقهم ، وما عدا هذين المقامين فحرمان « 2 » ، لذلك فكل ما لا يفهمه الناس من كلامه إنما هو لعلو مراقيه ، وجميع ما اعترض عليه من كلامه فهو مدسوس عليه لا محال . لذلك انبرى الفيروزآبادي للدعوة إلى عدم إنكار علوم القوم ، لما خصّهم اللّه به من الكرامات ، وكذلك نصح بعدم الاعتراض عليهم فقال بعدم الإنكار ببادىء الرأي لعلو مراقيهم في الفهم والكشف ، فقال : " ولم يبلغنا عن أحد منهم أراد أن يهدم الدين ، ولا نهى عن الوضوء ولا عن الصلاة ، إنما يتكلمون بكلام يدقّ على الأفهام " . ويضيف إلى ذلك : " وكما أعطى اللّه تعالى الكرامات للأولياء التي هي فرع المعجزات ، فلا بدع أن يعطيهم من العبارات ما يعجز عن فهمه فحول العلماء " « 3 » . كذلك وصف الفيروزآبادي مؤلفاته بالبحر لغزارتها وعدم التمكن من الإحاطة بها لتنوع علومها وتعدد فنونها وتفرّدها عن غيرها مع ما لها من خواص مفيدة ونافعة لقارئها فقال : " وأما كتبه ومصنفاته فالبحور الزواخر ، التي لكثرتها وجواهرها لا يعرف
--> ( * ) الجهبذ - ج - جهابذة ، الناقد العارف بتمييز الجيد من الرديء ( فارسية ) ( المنجد في اللغة والأعلام ) . ( 1 ) ابن العماد ، شذرات الذهب ، الجزء الخامس ، ص 19 . ( 2 ) الشعراني ( عبد الوهاب ) ، الكبريت الأحمر ، مصدر سابق ، ص 6 . ( 3 ) الجابي ( بسام ) ، اصطلاحات الشيخ محي الدين بن عربي ، مرجع سابق ، ص 12 .